الغزالي

40

إحياء علوم الدين

موضع لحب الله تعالى ، إلا من حيث حديث النفس ، ولا يظهر له أثر في مخالفة النفس ، والعدول عن طريق الشيطان ، فيورث ذلك الانهماك في اتباع الشهوات ، حتى يظلم القلب ويقسو ويسود ، وتتراكم ظلمة النفوس على القلب ، فلا يزال يطفئ ما فيه من نور الايمان على ضعفه ، حتى يصير طبعا ورينا . فإذا جاءت سكرات الموت ازداد ذلك الحب ، أعنى حب الله ضعفا ، لما يبدو من استشعار فراق الدنيا ، وهي المحبوب الغالب على القلب ، فيتألم القلب باستشعار فراق الدنيا ، ويرى ذلك من الله ، فيختلج ضميره بإنكار ما قدر عليه من الموت ، وكراهة ذلك من حيث إنه من الله ، فيخشى أن يثور في باطنه بغض الله تعالى بدل الحب . كما أن الذي يحب ولده حبا ضعيفا ، إذا أخذ ولده أمواله التي هي أحب إليه من ولده وأحرقها ، انقلب ذلك الحب الضعيف بغضا . فإن اتفق زهوق روحه في تلك اللحظة التي خطرت فيها هذه الخطرة ، فقد ختم له بالسوء ، وهلك هلاكا مؤبدا والسبب الذي يفضي إلى مثل هذه الخاتمة هو غلبة حب الدنيا ، والركون إليها ، والفرح بأسبابها ، مع ضعف الإيمان ، الموجب لضعف حب الله تعالى . فمن وجد في قلبه حب الله أغلب من حب الدنيا ، وإن كان يحب الدنيا أيضا ، فهو أبعد عن هذا الخطر وحب الدنيا رأس كل خطيئة ، وهو الداء العضال ، وقد عم أصناف الخلق ، وذلك كله لقلة المعرفة باللَّه تعالى . إذ لا يحبه إلا من عرفه . ولهذا قال تعالى * ( قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وأَبْناؤُكُمْ وإِخْوانُكُمْ وأَزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ من الله ورَسُولِه ِ وجِهادٍ في سَبِيلِه ِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِه ِ « 1 » ) * فإذا كل من فارقته روحه في حالة خطرة الإنكار على الله تعالى بباله ، وظهور بغض فعل الله بقلبه ، في تفريقه بينه وبين أهله وماله وسائر محابه ، فيكون موته وما على ما أبغضه وفراقا لما أحبه فيقدم على الله قدوم العبد المبغض الآبق إذا قدم به على مولاه قهرا ، فلا يخفى ما يستحقه من الخزي والنكال وأما الذي يتوفى على الحب ، فإنه يقدم على الله تعالى قدوم العبد المحسن المشتاق إلى مولاه ، الذي تحمل مشاق الأعمال ووعثاء الأسفار طمعا في لقائه ، فلا يخفى ما يلقاه من الفرح

--> « 1 » التوبة : 24 :